ما يفعله الاستشاريون البيئيون فعلياً (ولماذا تحتاجهم الشركات)

لدى الكثيرين فكرة عامة مفادها أن الاستشاريين البيئيين يقعون في مكان ما بين عالم الأعمال والطبيعة، وأن عملهم يتعلق باللوائح التنظيمية، وربما ببعض اختبارات التربة. إلا أن نطاق عمل هؤلاء المتخصصين أوسع بكثير مما يتوقعه معظم الناس، وبالنسبة للشركات العاملة في بيئات معقدة، فإنهم غالباً ما يمثلون الفرق بين سير العمليات بسلاسة أو كارثة مكلفة.

أكثر من مجرد أوراق عمل

تشمل الاستشارات البيئية مجموعة واسعة من العمليات، من بينها التحقيقات الميدانية، وعمليات التفتيش للتأكد من الامتثال، وتقييمات التلوث، وتقييمات التنوع البيولوجي، ودراسات الأثر البيئي، وغيرها الكثير. وهي ليست مهنة نمطية تناسب الجميع، إذ يختلف مستوى العمل باختلاف القطاع والمشروع واللوائح ذات الصلة. فعلى سبيل المثال، تختلف الاحتياجات البيئية لمطور عقاري عن تلك الخاصة بشركة تعدين أو مصنع لتجهيز الأغذية، ويدرك المستشارون البيئيون هذا الاختلاف.

لسوء الحظ، قد تكون العملية مرهقة للغاية بالنسبة للعديد من الشركات التي تواجه متطلبات تنظيمية لأول مرة. يوفر الاستعانة بخبير استشاري بيئي مستوىً معيناً من التنظيم، فهو على دراية بما هو متوقع من الجهات الحكومية، وما هي التقارير المطلوبة، وأين تكمن المخاطر الرئيسية عادةً. يمكن لهذه الخبرة أن توفر على المشاريع وقتاً ثميناً وتمنع وقوع أخطاء مكلفة للغاية قبل حدوثها.

تقييمات المواقع: ما تتضمنه

فعلى سبيل المثال، من أكثر العمليات شيوعاً التي يقوم بها الاستشاري البيئي ما يُعرف بتقييم الموقع البيئي، أو ESA. ويتضمن هذا التقييم مراحل مختلفة، كل مرحلة مبنية على سابقتها.

المرحلة الأولى هي مرحلة بحثية. في هذه الحالات، يقوم الاستشاري بدراسة التقارير التاريخية، والصور الملتقطة من الجو، والاستخدامات السابقة، وقواعد البيانات التي تسجل بيانات مثل خزانات التخزين تحت الأرض أو التلوث المعروف. لا يتم أخذ عينات فعلية من التربة؛ بل يقتصر الأمر على تكوين صورة لما كان عليه الموقع عبر الزمن، وتحديد المؤشرات التي تستدعي مزيدًا من التحقيق.

في الحالات التي تشير فيها المرحلة الأولى إلى وجود مشكلة، تبدأ المرحلة الثانية. في هذه المرحلة، يتم أخذ عينات مادية من التربة والمياه الجوفية، وحتى مواد البناء، لتقييم وجود التلوث أو مدى خطورته. يجهل الكثيرون مدى امتداد التلوث في التربة، ومدة بقائه فيها. يعرف المختصون المدربون ما الذي يجب البحث عنه وماذا تعني النتائج.

في حال تطلب الأمر إجراءات تصحيحية، تُنتج المرحلة الثالثة (عند الضرورة) خطة تنفيذية فعلية ولوائح لتنظيم عملية التنظيف. وعادةً ما تكون هذه العملية معقدة وتستغرق عدة سنوات إذا كانت المشكلة خطيرة.

الامتثال التنظيمي ولماذا يصبح معقداً

عالم القانون البيئي ليس بالأمر الهين، فهو معقد. توجد مستويات فيدرالية، ومستويات على مستوى الولايات، وربما مستويات محلية. قد تتداخل المتطلبات بطرق غير منطقية. ما يحتاجه نوع معين من المشاريع ليس بالضرورة ما يحتاجه نوع آخر، وفي الوقت نفسه، تتطور اللوائح باستمرار.

إليكم الأمر: لا يقتصر الامتثال على حماية الشركات من الغرامات لعدم اتباع القواعد، بل إن انتهاك بعض اللوائح قد يُوقف المشاريع تمامًا، ويُعرّضها للتدقيق العام، أو يُرتب عليها مسؤولية قانونية تُلاحقها لسنوات طويلة. يتولى الاستشاريون البيئيون متابعة هذه الأمور نيابةً عن الشركات، حيث يُنبهون إلى أي تغييرات مُحتملة في اللوائح، ويُساعدون في إعداد الوثائق مُسبقًا، ويتولون التواصل مع الهيئات التنظيمية نيابةً عن عملائهم.

بالنسبة لقطاعات مثل البناء والتصنيع وتنمية الموارد، يُعدّ هذا الدعم المستمر للامتثال ذا قيمة لا تُقدّر. إنه ليس أمراً ثانوياً، بل ضرورة حتمية، خاصةً للمشاريع الكبيرة.

تقييمات الأثر البيئي

أما بالنسبة للمشاريع الكبيرة، فغالباً ما يكون تقييم الأثر البيئي مطلوباً قبل البدء بها. يدرس هذا التقييم كيفية تأثير المشاريع المخطط لها على البيئة، سواءً من حيث تأثيرها على البيئة نفسها أو من حيث استكشافها لها، وتُعدّ جودة الهواء والماء وموائل الحيوانات والتلوث الضوضائي من الاعتبارات المهمة.

تتطلب دراسة تقييم الأثر البيئي فترةً لإبداء الرأي العام، وتقديم تقرير فني، وغالباً ما تتطلب مفاوضات مع بعض الجهات الحكومية لتحديد تدابير التخفيف اللازمة. تقع على عاتق الاستشاري مسؤولية إدارة هذه العملية برمتها، بدءاً من تجميع مختلف الجوانب الفنية وصولاً إلى ضمان استيفاء المنتج النهائي لمتطلبات التقييم.

إن تقديم تقييمات الأثر البيئي بشكل خاطئ أو غير مكتمل قد يؤدي إلى تأخير المشاريع لأشهر في كل مرة؛ فهناك حاجة إلى تفاصيل كبيرة ويجب أن تكون مدعومة ببيانات ومنهجيات كافية.

القيمة المضافة التي غالباً ما تغفل عنها الشركات

إلى جانب العمل الملموس المنجز بالتعاون مع الاستشاريين البيئيين، ثمة عنصر يصعب تقييمه: ألا وهو المنظور. فقد سبق لهؤلاء الاستشاريين العمل في مشاريع مماثلة، وشهدوا ظهور مشاكل أخرى، أو لاحظوا كيف قللت جهات أخرى من شأن المخاطر المحتملة. هذه الخبرة هي التي توجه عملهم الحالي.

كثيراً ما تتأخر الشركات في الاستعانة بالاستشاريين بعد فوات الأوان؛ فإشراكهم مبكراً، أثناء التخطيط بدلاً من وقت وقوع الكارثة، يُسهم في سير المشاريع بسلاسة أكبر منذ البداية. ويشمل ذلك تحديد التصميم الذي يُجنّب الشركات المخاطر البيئية بدلاً من محاولة إصلاح ما كان ينبغي تجنبه أصلاً.

كما أن هناك جانباً دعائياً مهماً. فالمزيد من المستهلكين والمستثمرين والمجتمعات يولون اهتماماً متزايداً لكيفية تعامل الشركات مع مسؤولياتها البيئية بجدية، وإجراء التقييمات، والقيام بها بشكل صحيح، يعكس موقفاً لا يمكن للشركات الاستهانة به.

الخط السفلي

يتولى الاستشاريون البيئيون مسؤولية تقديم مجموعة واسعة من الخدمات الفنية المتخصصة، بدءًا من التقييمات الأولية ومتطلبات الامتثال، مرورًا بتقييمات الأثر البيئي الكبرى، وصولًا إلى المساءلة عن جهود المعالجة. وعندما تعتمد الشركات على استخدام الأراضي، أو مشاريع التطوير، أو الالتزامات التنظيمية المتعلقة باستخدام الموارد أو متطلبات الامتثال، فإن هذه الخبرة تُعدّ بالغة الأهمية.

ليس عملاً براقاً، ولكنه عمل ضروري. والشركات التي تتعامل مع العناية الواجبة البيئية من منظور متكامل بدلاً من اعتبارها أمراً ثانوياً، تحقق أداءً أفضل بكثير على المدى الطويل.

الموقع الإلكتروني |  + المشاركات

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُشار إليها بعلامة *